
في كل الأمم التي احترمت نفسها، كُتب الدستور ليكون وثيقة عبور نحو المستقبل، لا وثيقة استدعاء لصراعات الماضي. أما أن يخرج علينا اليوم من يطالب بدسترة "الشرائحية"، فذلك ليس اقتراحًا للإصلاح، بل مشروعٌ لإعادة إنتاج الأزمة والحروب الأهلية، وإلباسها ثوبًا قانونيًا دائمًا.
إن أخطر ما في وثيقة ال242 هو أنها لا تعالج الشرائحية، بل تؤمن بها، وتعتبرها حقيقة سياسية يجب أن يُبنى عليها الدستور. وهذا انقلاب كامل على فكرة الدولة الحديثة التي تقوم على الفرد المواطن، لا على الجماعة الاجتماعية، وعلى المساواة أمام القانون، لا على الانتماء إلى هذا التصنيف أو ذاك.
إن من يطالب بإدراج الشرائحية في الدستور يشبه طبيبًا يقترح علاج السرطان بحقنه في شرايين الجسد بدل استئصاله. فالشرائحية ليست قيمة وطنية حتى تُدستر، وليست مبدأً دستورياً حتى تُرفع إلى أعلى مراتب التشريع، وإنما هي إرث اجتماعي مؤلم ينبغي أن يذوب مع الزمن تحت سلطة القانون والتعليم والتنمية والعدالة.
والأدهى من ذلك أن أصحاب هذه الوثيقة يقدمون الشرائحية وكأنها قدر لا مفر منه،ويتبنونها باستماتة باعتبارها لا حل بدونها، بينما الشعوب الحية لا تخلد أمراضها، بل تتجاوزها. فالدساتير لا تُكتب لتوثيق الأعراف البالية، وإنما لتغييرها، ولا تُسن لتكريس الانقسامات، وإنما لإزالتها.
إن هذه الدعوات تحمل في طياتها اعترافًا صريحًا بأن المواطنة وحدها لم تعد تكفي، وأن المجتمع ينبغي أن يُدار بمنطق الحصص والانتماءات. وهذا هو الطريق ذاته الذي قاد دولًا كثيرة إلى الشلل السياسي والانقسام المجتمعي، حين أصبحت الهوية الاجتماعية جواز المرور إلى السلطة، والكفاءة مجرد تفصيل ثانوي.
ومن المؤسف أن أصحاب الوثيقة يعتبرون انفسهم مثقفين ومهندسين ودكاترة، يتحدثون عن العدالة، لكنهم يقترحون وسائل تنسفها. فالعدالة لا تتحقق حين يُسأل المواطن عن شريحته قبل أن يُنظر إلى علمه وكفاءته ونزاهته، وإنما حين يُعامل الجميع بالقانون نفسه، وتُفتح أمامهم الفرص نفسها، دون امتياز لفئة أو وصاية من فئة.
إن المظالم الاجتماعية التي عرفتها موريتانيا لا ينكرها عاقل، لكنها لا تُعالج بتحويل الدستور إلى سجل للانتماءات، ولا بإقامة جمهورية تقوم على التوازنات الاجتماعية بدل سيادة القانون. فمنطق الشرائح لا ينتج دولة، وإنما ينتج سوقًا للمطالب المتنافسة، حيث لن تكون هناك نهاية لسلسلة المطالب والامتيازات.
إن موريتانيا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما دولة مواطنة، يكون فيها الجميع متساوين أمام الدستور، وإما دولة شرائح، يصبح فيها الانتماء الاجتماعي أقوى من الانتماء الوطني. ولا يمكن الجمع بين المشروعين؛ فهما نقيضان لا يلتقيان،وقد يستدعيان حكم ما قبل الدولة المركزية وحينها لن يمون ال242 فى اي من اطرها ولايسألون عن شيئ فيها،
إن الواجب الوطني يقتضي رفض هذه الدعوات، ليس عداءً لأصحابها، وإنما دفاعًا عن فكرة الدولة نفسها. فالدستور يجب أن يبقى فوق الشرائح، وفوق القبائل، وفوق الأعراق، لأنه ملك لجميع الموريتانيين، لا مرآةً لانقساماتهم.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله للأجيال القادمة هو أن نورثها دستورًا يعلّمها أنها تنتمي أولًا إلى شريحة، ثم إلى الوطن. فالوطن الذي تُقدَّم فيه الهويات الاجتماعية على المواطنة، يبدأ بالتصدع من داخله، مهما بدا متماسكًا في ظاهره.
ولذلك، فإن الرد الحقيقي على الظلم ليس دسترة الانقسام، بل بناء دولة قانون لا تعرف إلا اسمًا واحدًا: المواطن الموريتاني.
ثم ان اغلب الذين صاغوا هذه الوثيقة ،والاب الملهم،لم يكونوا يوما امناء على هذه الدولة ولا على تلك الشرائح التى يريدون دسترتها وعلى على الفئات ولا على الاثنيات،فشعب موريتانيا اقل من ان ينجح فيه من يعتمد سياسة النعامة وهو مطالب لدى العدالة بجرائمه.
