
أثار التراجع اللافت في نسبة النجاح في امتحان شهادة الباكالوريا بموريتانيا خلال دورة 2026 نقاشًا حول واقع المنظومة التعليمية ومدى قدرة الإصلاحات الجارية على تحسين مستوى التحصيل الدراسي ورفع جودة التعليم.
وبحسب معطيات وزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي، بلغت نسبة النجاح في باكالوريا 2026 نحو 13.56%، مقابل 20.08% خلال دورة 2025، أي بانخفاض قدره 6.52 نقاط مئوية.
ويطرح هذا الفارق تساؤلات حول العوامل التي تقف وراء هذا التراجع، وما إذا كان مرتبطًا بطبيعة الامتحانات ومستوى صعوبتها، أم بضعف التحصيل لدى التلاميذ، أم بتحديات أوسع تتعلق بجودة العملية التعليمية برمتها.
وأرجعت وزيرة التربية وإصلاح النظام التعليمي، هدى باباه، تراجع نسبة النجاح إلى الإجراءات التي اتخذتها الوزارة لتعزيز تكافؤ الفرص بين المترشحين وتشديد مكافحة الغش خلال الامتحانات.
غير أن هذه التبريرات تفتح في الوقت نفسه بابًا واسعًا للنقاش: إذا كان تشديد الرقابة على الامتحانات ومكافحة الغش قد أسهما في انخفاض نسبة النجاح، فهل كانت نسب النجاح في السنوات الماضية تعكس بالفعل المستوى الحقيقي للتلاميذ؟.
وفي المقابل، يظل السؤال الأهم مطروحًا حول نتائج الإصلاح التعليمي نفسه. فإذا كانت البلاد قد استثمرت خلال السنوات الأخيرة في إصلاح المناهج وتطوير البنية التعليمية وتحسين ظروف التمدرس وتعزيز التكوين، فإن من الطبيعي أن ينتظر الرأي العام تحسنًا تدريجيًا في مستويات التلاميذ، أو على الأقل استقرارًا في النتائج، لا تراجعًا حادًا في نسبة النجاح.
ومع ذلك، فإن انخفاض نسبة النجاح في سنة واحدة لا يكفي وحده للحكم على فشل الإصلاح التعليمي أو نجاحه، إذ إن تقييم أي إصلاح تربوي يحتاج إلى مؤشرات متعددة وعلى مدى زمني أطول، من بينها مستوى التلاميذ في مختلف المراحل الدراسية، ونسب التسرب المدرسي، وجودة التعليم الأساسي والثانوي، ومستوى التحكم في اللغات والعلوم والرياضيات، فضلًا عن مدى ملاءمة المناهج لقدرات التلاميذ وحاجات المجتمع وسوق العمل.
لكن هذا التراجع يبقى، في المقابل، مؤشرًا يستحق التوقف والدراسة، خصوصًا إذا كان الفارق بين عام وآخر بهذا الحجم. فالمطلوب ليس فقط تفسير انخفاض نسبة النجاح بتشديد إجراءات الرقابة، بل تحليل النتائج بصورة شاملة لمعرفة مستوى التلاميذ الحقيقي، وتحديد مكامن الخلل في مسارهم الدراسي، من التعليم الأساسي إلى المرحلة الثانوية.
كما أن مكافحة الغش لا ينبغي أن تُنظر إليها باعتبارها سببًا مباشرًا لتراجع النجاح، بل باعتبارها إجراءً ضروريًا لحماية مصداقية الشهادة الوطنية. وإذا أدى تطبيق معايير أكثر صرامة إلى كشف مستوى تحصيل أقل مما كان متوقعًا، فإن ذلك قد يمثل فرصة لإعادة تقييم العملية التعليمية، بدل الاكتفاء بمقارنة نسب النجاح من سنة إلى أخرى.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى فتح نقاش تربوي واسع حول المخرجات الفعلية للإصلاح التعليمي في موريتانيا، بعيدًا عن القراءات السياسية أو الانطباعات السريعة. فنجاح الإصلاح لا يقاس فقط بعدد المدارس أو تحديث المناهج أو ارتفاع معدلات الالتحاق، وإنما بمدى قدرة التلميذ على اكتساب المعارف والمهارات الأساسية، ثم توظيفها في الامتحانات وفي حياته الجامعية والمهنية.
كما أن النتائج الأخيرة تطرح تساؤلًا آخر يتعلق بمدى جاهزية التلاميذ للامتحانات الوطنية، ومدى فعالية برامج الدعم والتقوية، خصوصًا بالنسبة إلى التلاميذ القادمين من مناطق أو مؤسسات تعليمية تعاني من نقص الموارد والكوادر. فالتفاوت بين المؤسسات والمناطق قد يكون أحد العوامل التي تستحق مزيدًا من الدراسة عند تحليل النتائج.
إن التحدي الحقيقي أمام السلطات التعليمية اليوم لا يتمثل فقط في رفع نسبة النجاح في الدورات المقبلة، وإنما في رفع مستوى التعليم نفسه، بحيث تكون نسب النجاح المرتفعة نتيجة طبيعية لتحسن مستوى التلاميذ، لا هدفًا قائمًا بذاته.
وبينما تبرر الوزارة تراجع النتائج بإجراءات أكثر صرامة لضمان النزاهة وتكافؤ الفرص، يبقى السؤال مفتوحًا أمام الفاعلين في قطاع التعليم والخبراء والأسر: هل يعكس تراجع نسبة النجاح في باكالوريا 2026 بداية مرحلة جديدة من الشفافية في تقييم مستوى التلاميذ، أم أنه مؤشر على وجود اختلالات عميقة ما تزال تعيق تحقيق أهداف الإصلاح التعليمي؟
الإجابة عن هذا السؤال تتطلب نشر تحليل رسمي مفصل للنتائج، ومقارنة أداء التلاميذ حسب الشعب والمناطق والمؤسسات، وتحديد أسباب الإخفاق بدقة، حتى تتحول نتائج باكالوريا 2026 من مجرد أرقام مثيرة للقلق إلى فرصة حقيقية لتصحيح المسار وتطوير المنظومة التعليمية.
