المؤتمر القومي الثالث عشر: استنهاض الأمة وكسر خطاب الهزيمة عبدالله المجيدي

سبت, 31/01/2026 - 20:27

في لحظة عربية مثقلة بالهزائم المركّبة ومحاولات كسر الإرادة، يأتي انعقاد المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي بوصفه فعلاً سياسياً واعياً، لا بياناً تقليدياً، ولا ترفاً تنظيمياً. إنه إعلان صريح بأن المشروع القومي لم يمت، وأن ما يُروَّج له من يأس وتطبيع وانكفاء ليس قدراً، بل حالة مصطنعة تخدم أعداء الأمة من الخارج ووكلاءهم في الداخل.

المؤتمر، في تشخيصه لواقع الأمة، لم يوارب ولم يجمّل. سمّى الأشياء بأسمائها: عدوان صهيوني متصاعد، هيمنة أميركية منفلتة من أي قيد أخلاقي أو قانوني، مشاريع إقليمية توسعية، وتفكيك منظم للبنى الوطنية العربية عبر الطائفية والجهوية وحروب الوكالة. هذا الوضوح ليس خطاباً تعبوياً فقط، بل شرط أولي لأي نهوض حقيقي؛ إذ لا يمكن مواجهة الخطر دون تعريفه بدقة.

الأهمية السياسية للمؤتمر لا تكمن في توصيف الأزمة فحسب، بل في إعادة الاعتبار لفكرة الاستنهاض القومي كخيار عملي، قائم على تفعيل طاقات الجماهير، وبناء جبهة عربية تقدمية قادرة على نقل الصراع من موقع ردّ الفعل إلى موقع الفعل المنظم. هنا يستعيد البعث موقعه الطبيعي: حزباً يرى في الجماهير الفاعل المركزي، لا مادة للاستهلاك الخطابي، وفي التنظيم والوعي والقيادة أدوات لا غنى عنها لأي مشروع تحرري.

تشديد المؤتمر على الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة يمثل نقطة مفصلية، لأنه يربط بين التحرر القومي والتحرر الوطني والديمقراطي، ويفكّك الثنائية الزائفة التي سوّقتها أنظمة الاستبداد: إما الأمن أو الحرية، إما الدولة أو الديمقراطية. الرسالة واضحة: لا مشروع قومي بلا دولة وطنية محمية، ولا دولة وطنية بلا ديمقراطية تصون المواطنة والعدالة وتكافؤ الفرص.

كما أن إعادة وضع القضية الفلسطينية في مركز الصراع، وربطها بقضايا العراق واليمن وسورية ولبنان والسودان وليبيا، يعيد تعريف الأمن القومي العربي بوصفه وحدة عضوية لا تقبل التجزئة. هذه مقاربة سياسية ناضجة، تتجاوز التعامل الانتقائي مع القضايا، وتؤكد أن أي تفكيك في قطر عربي هو طعنة في الجسد القومي كله.

وقد وقف المؤتمر أمام التحول الإيجابي في الرأي العام العالمي الداعم لقضية فلسطين، وهو تحول ذو بعد استراتيجي: دعم شعبي وسياسي واسع على الصعيد الدولي يعزز موقف المقاومة، ويزيد الضغط على أعداء الأمة، ويمنح النضال العربي قوة معنوية إضافية لتعزيز قدرة الجماهير على الصمود والمواجهة.

أما الرسالة الأكثر وضوحاً وحسماً، فهي أن البعث أقوى من الاجتثاث. فما تعرّض له الحزب، خصوصاً في العراق، ليس استهدافاً تنظيمياً معزولاً، بل جزء من مشروع كسر الإرادة العربية وتجفيف منابع الفعل القومي. والرد الذي يقدمه المؤتمر ليس إنكاريَّاً ولا عاطفياً، بل مبدئيا بامتياز: الحزب الذي نشأ من إرادة شعبية، وارتبط بقضايا التحرر، لا يُلغى بقرار احتلال، ولا يُمحى بحملات تشويه.

إن انتخاب قيادة قومية جديدة، في هذه الظروف الدقيقة لتكون القوة المنظمة والمحفزة للمرحلة المقبلة، مقروناً ببرنامج مرحلي واضح، ليس إجراءً داخلياً، بل إعلان استعداد لمرحلة مواجهة طويلة، عنوانها تحويل إرادة الجماهير إلى فعل ملموس، وحشد الجهد القومي لمواجهة وكسر خطاب الهزيمة، ومقاومة التطبيع بأشكاله الفجّة والمقنّعة. هذه لحظة فرز تاريخي: إما الانخراط في مشروع استنهاض شامل، أو البقاء أسرى التكيّف مع الانحدار.

باختصار، المؤتمر القومي الثالث عشر ليس حدثاً عابراً في رزنامة حزب، بل محطة نضالية متقدمة في مسار النضال القومي بمعناه التحرري، وإعادة الثقة بإمكانية الفعل العربي المشترك. وهو، بهذا المعنى، نداء مفتوح لكل القوى القومية والتقدمية: المعركة لم تُحسم، والهزيمة ليست نهائية، وما زال في هذه الأمة ما يستحق النضال من أجله.