نواكشوط الجنوبية بين حصيلة الإنجاز وتحديات التنمية.. ماذا تحقق للسكان؟/تماد إسلم أيديه

أحد, 08/11/2026 - 15:14

لم تكن زيارة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، لولاية نواكشوط الجنوبية يوم الخميس 5 نوفمبر 2026، مجرد محطة بروتوكولية ضمن جولاته الميدانية، بل شكلت مناسبة لاستعراض حصيلة التدخلات التنموية التي شهدتها الولاية، والوقوف على واقع الخدمات الأساسية، وطرح ما تبقى من تحديات أمام مسار التنمية الحضرية.
فالولاية التي تضم مقاطعات عرفات والميناء والرياض، وتعرف توسعا عمرانيا ونموا سكانيا متسارعا، ظلت تواجه تحديات متراكمة تتعلق بالبنية التحتية، واكتظاظ المؤسسات التعليمية، ومحدودية الخدمات الصحية، وصعوبة النفاذ إلى المياه والكهرباء في بعض الأحياء، فضلا عن الحاجة إلى تحسين الطرق والبيئة الحضرية.
ومن هذا المنطلق، تكتسب الزيارة أهميتها من كونها أتاحت تقديم صورة عن التحولات التي شهدتها الولاية، وربط الأرقام المعلنة بما ينتظره المواطنون من تحسن ملموس في ظروفهم المعيشية.
من المشاريع المنفذة إلى أثرها على حياة المواطنين
استعرض رئيس الجمهورية، خلال لقائه بأطر ووجهاء وفاعلي الولاية، حصيلة المرحلة الأولى من البرنامج الاستعجالي لتنمية مدينة نواكشوط، مشيرا إلى أن نواكشوط الجنوبية استفادت من تدخلات مهمة في قطاعات التعليم والصحة والطرق والإنارة العمومية والرياضة.
وفي قطاع التعليم، تم بناء 218 حجرة دراسية جديدة وتأهيل 409 حجرات، وهو تدخل من شأنه أن يساهم في توسيع العرض المدرسي وتحسين ظروف استقبال التلاميذ، والحد من الضغط الذي تعرفه بعض المؤسسات التعليمية، في ظل التزايد المستمر لأعداد السكان.
أما في المجال الصحي، فقد شهدت الولاية إنشاء عشرة مراكز صحية، بما يعزز فرص تقريب الخدمات الطبية من المواطنين، ويخفف من معاناة بعض الأسر التي تضطر إلى التنقل لمسافات أطول للحصول على الرعاية الصحية.
وفي مجال البنية التحتية، شملت الإنجازات تعبيد 28.5 كيلومترا من الطرق، وإنجاز 35.5 كيلومترا من شبكات الإنارة العمومية، إلى جانب تشييد قاعة متعددة الرياضات، وتنفيذ تدخلات في مجالي المياه والصرف الصحي.
ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على كونها منشآت جديدة أو أرقاما تضاف إلى الحصيلة الحكومية، بل تكمن قيمتها الحقيقية في قدرتها على تغيير تفاصيل الحياة اليومية للسكان؛ فالطريق المعبدة تسهل التنقل، والإنارة تعزز السلامة، والمدرسة القريبة تخفف أعباء التمدرس، والمركز الصحي يختصر المسافة بين المريض والخدمة الطبية.
المرحلة الثانية.. توسيع المكتسبات واستكمال النواقص
إذا كانت المرحلة الأولى قد أرست جملة من التدخلات في الولاية، فإن المرحلة الثانية تفتح المجال أمام استكمال ما بدأ، وتوسيع نطاق المشاريع لتشمل احتياجات إضافية.
وقد أعلن الرئيس عن مشاريع جديدة موجهة لمدينة نواكشوط الجنوبية، تشمل بناء 187 حجرة دراسية وروضتين للأطفال، وإنشاء مركز لتكوين وترقية الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، إلى جانب منشآت صحية جديدة، وتوسيع شبكات مياه الشرب وتعزيز قدرات الضخ، ومد 54 كيلومترا من شبكات الإنارة العمومية.
كما أعلن عن انطلاق أشغال تعبيد 27.5 كيلومترا من الطرق الجديدة، وبرمجة منشآت رياضية إضافية وإعادة تأهيل أخرى، بما يتيح للشباب فضاءات مناسبة لممارسة الأنشطة الرياضية وتنمية المواهب.
وتعكس هذه المشاريع توجها نحو الانتقال من معالجة بعض الاختلالات القائمة إلى توسيع الخدمات وتحسين جودتها، غير أن التحدي الأساسي سيظل مرتبطا بسرعة التنفيذ، واحترام الآجال، وضمان وصول آثار هذه الاستثمارات إلى الأحياء الأكثر احتياجا.
المواطن في قلب معادلة التنمية
من أبرز ما حملته الزيارة تأكيد رئيس الجمهورية أن الهدف النهائي من هذه التدخلات هو توفير مقومات العيش الكريم لكل أسرة، من خلال النفاذ إلى المياه والكهرباء والتعليم والصحة والطرق والأمن والبيئة السليمة.
وهذه الرؤية تضع المواطن في مركز العملية التنموية، وتجعل نجاح المشاريع مرتبطا بما تحدثه من تغيير فعلي في مستوى الخدمات وظروف المعيشة، وليس فقط بحجم الأموال المرصودة أو عدد المنشآت المنجزة.
كما أن استماع الرئيس لمداخلات المنتخبين والأطر والوجهاء والفاعلين المحليين أتاح طرح جملة من المطالب المتعلقة باكتظاظ الفصول، وتقريب الخدمات الصحية، وتحسين شبكة الطرق، وتوفير المياه والخدمات الأساسية.
وتكشف هذه المطالب، في الوقت ذاته، أن ما تحقق، على أهميته، لا يعني انتهاء الحاجة إلى تدخلات إضافية، بل إن اتساع الولاية وتزايد عدد سكانها يفرضان مواصلة الاستثمار في البنية التحتية والمرافق العمومية.
التنمية لا تقاس بالأرقام وحدها
إن قراءة حصيلة المشاريع في نواكشوط الجنوبية تستدعي التمييز بين ما أنجز بالفعل، وما لا يزال قيد التنفيذ، وما أدرج ضمن الخطط المستقبلية. فالأرقام المعلنة تقدم مؤشرات مهمة عن حجم التدخلات، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على مستوى التحسن الذي يلمسه السكان.
ففي قطاع التعليم، لا يتعلق الأمر ببناء الحجرات الدراسية فقط، وإنما أيضا بتوفير المدرسين والتجهيزات وتحسين جودة التعليم. وفي الصحة، لا يكتمل أثر إنشاء المراكز دون توفير الطواقم الطبية والأدوية والتجهيزات اللازمة. أما في المياه والكهرباء، فإن المعيار الحقيقي هو انتظام الخدمة واتساع نطاق التغطية ووصولها إلى الأسر التي ما زالت تعاني من نقصها.
وفي مجال الطرق والبيئة، تظل الصيانة والنظافة والمحافظة على المنشآت العامة شروطا أساسية لاستدامة ما تحقق، وهو ما يستدعي تنسيقا مستمرا بين السلطات والمنتخبين والمجتمع المدني والمواطنين.
وقد أشار رئيس الجمهورية نفسه إلى أهمية الوعي المدني والمحافظة على الممتلكات العامة، مؤكدا أن مسؤولية تحسين المظهر الحضري والنظافة لا تقع على الدولة وحدها، بل تتطلب مشاركة الجميع، مع ضرورة رفع أداء الجهات المكلفة بالنظافة إلى المستوى المطلوب.
مسؤولية المتابعة والتقييم
لا شك أن المرحلة المقبلة تضع أمام السلطات الحكومية والجهوية والمحلية مسؤولية مضاعفة، تتمثل في متابعة تنفيذ المشاريع المعلنة، ومراقبة جودتها، وتحديد الأولويات وفقا لحاجات السكان الفعلية.
كما أن للمنتخبين، وفي مقدمتهم المجلس الجهوي والعمد والنواب، دورا مهما في مواكبة هذه البرامج، ونقل انشغالات المواطنين، والمساهمة في تقييم أثر المشاريع على الأحياء والمقاطعات، بعيدا عن الاكتفاء بعرض الحصائل أو ترديد الأرقام.
فالولاية تحتاج إلى رؤية تنموية متكاملة تراعي التفاوت بين أحيائها، وتربط بين التوسع العمراني وتوفير الخدمات، وتمنح الأولوية للمناطق التي تعاني نقصا أكبر في المرافق الأساسية.
من حصيلة المشاريع إلى تنمية يشعر بها الجميع
إن ما شهدته نواكشوط الجنوبية من تدخلات في إطار المرحلة الأولى من البرنامج الاستعجالي يمثل جزءا من مسار أوسع لتطوير العاصمة وتحسين بنيتها التحتية، فيما تحمل المرحلة الثانية آمالا جديدة في توسيع الخدمات واستكمال النواقص.
لكن الرهان الحقيقي لا يتوقف عند تدشين المشاريع وإطلاق الأشغال، بل يبدأ من ضمان استمراريتها وتحويلها إلى خدمات منتظمة وذات جودة، يشعر المواطن بأثرها في منزله وحيه ومدرسته ومركزه الصحي وطريقه اليومي.
فالسكان لا ينتظرون فقط طرقا معبدة أو مباني مدرسية ومراكز صحية جديدة، وإنما يتطلعون إلى مدينة تتوفر فيها المياه والكهرباء، ومدارس تستوعب أبناءهم، ومرافق صحية تقدم خدمات فعالة، وبيئة نظيفة، وفرص أوسع للشباب.
وتبقى زيارة رئيس الجمهورية وما صاحبها من استعراض للإنجازات وإطلاق لمرحلة جديدة من البرنامج الاستعجالي مناسبة لقياس المسافة بين ما تحقق وما لا يزال مطلوبا، وفرصة لتجديد الالتزام بأن تكون التنمية موجهة أولا وأخيرا لخدمة المواطن.
فالمعيار الأهم لنجاح أي برنامج تنموي ليس عدد المشاريع التي تنجزها الدولة فحسب، بل مقدار ما تحدثه من تغيير إيجابي ومستدام في حياة المواطنين المستهدفين.